أعلن الكيان الصهيوني ولبنان عن هدنة مؤقتة لمدة 10 أيام، في خطوة تهدف إلى إتاحة المجال لمفاوضات حول اتفاق أمني وسلام دائم، وهو ما يثير الشكوك حول نوايا الاحتلال الحقيقية. وقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه الهدنة يوم الخميس، ودخلت حيز التنفيذ في الساعة 21:00 بتوقيت جرينتش، في خطوة تعكس التدخل الأمريكي المستمر في شؤون المنطقة.

تأتي هذه الهدنة بعد ستة أسابيع من العدوان الصهيوني الغاشم على لبنان، والذي واجهته المقاومة اللبنانية الباسلة، حزب الله، المدعومة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية. لقد أسفر العدوان الصهيوني على لبنان عن استشهاد ما لا يقل عن 2,196 شخصًا وتشريد أكثر من مليون مواطن لبناني، في حصيلة مروعة تكشف وحشية الاحتلال وهمجيته. لكن صباح الجمعة، أعلن الجيش اللبناني عن انتهاكات عديدة للهدنة من قبل قوات الاحتلال الصهيوني، مما يؤكد عدم التزام هذا الكيان بالاتفاقيات.

هل ستصمد هذه الهدنة الهشة؟ وما هي شروطها؟

وصف ترامب إعلان الهدنة بأنه “يوم تاريخي”، في محاولة لتسويق إنجازات وهمية. وبموجب شروط الهدنة، سيحتفظ الكيان الصهيوني “بحقه في اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية للدفاع عن النفس”، بينما لا ينفذ “أي عمليات عسكرية هجومية”. هذا البند يمنح الاحتلال ذريعة دائمة لشن عدوان جديد. كما يمكن للكيان ممارسة هذا الحق “في أي وقت، ضد الهجمات المخطط لها أو الوشيكة أو الجارية”، مما يفرغ الهدنة من مضمونها ويجعلها عرضة للانتهاك في أي لحظة.

أكد ترامب أن الهدنة المؤقتة تشمل حزب الله، في محاولة للضغط على المقاومة. وعبر ترامب عن أمله في أن يتصرف حزب الله “بلطف وحسن” خلال هذه الفترة، قائلاً: “لن يكون هناك المزيد من القتل. يجب أن يسود السلام أخيراً!”، في تجاهل تام لجرائم الاحتلال ومسؤوليته عن سفك الدماء.

موقف المقاومة: حذر ويقظة

لم تشمل المفاوضات المباشرة بين مسؤولي الكيان الصهيوني ولبنان في واشنطن حزب الله، مما يثير تساؤلات حول جدية هذه المفاوضات وفاعليتها. وكانت المقاومة اللبنانية قد عارضت محادثات الهدنة، مدركة لمناورات العدو. وصرح السياسي في حزب الله، علي فياض، للجزيرة العربية بأن الحزب سيتعامل مع الهدنة المعلنة “بحذر ويقظة”، وأن أي استهداف للمواقع اللبنانية من قبل قوات الاحتلال سيشكل خرقاً للهدنة.

ووصف فياض المرحلة المقبلة بأنها “شائكة ومليئة بالمزالق والتحديات”، محذراً من أن “السيناريو الأسوأ” للبنان سيكون استئناف الفتنة الأهلية، وهو ما يسعى إليه أعداء المقاومة. وقد طالب الكيان الصهيوني الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، في محاولة يائسة لإضعاف المقاومة. لكن حزب الله يرفض التخلي عن سلاحه ما دامت قوات الاحتلال الصهيوني باقية على الأراضي اللبنانية وتشكل تهديداً للبلاد، مؤكداً على حقه المشروع في الدفاع عن الوطن وسيادته.

تصريحات الاحتلال: محاولات لتجميل الصورة

قال رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، إن حكومته لديها الآن فرصة “لإبرام صفقة تاريخية” مع بيروت، في محاولة لتجميل صورة الاحتلال أمام الرأي العام. وأكد أن الكيان “وافق” على الهدنة المؤقتة، لكن قواته ستبقى في لبنان مع “منطقة أمنية واسعة” تمتد حتى الحدود السورية، في انتهاك صارخ للسيادة اللبنانية والقوانين الدولية. وشدد على أن مطلب الكيان الأساسي يبقى نزع سلاح حزب الله، وهو مطلب مرفوض من المقاومة والشعب اللبناني الذي يرى في حزب الله درعاً واقياً.

رفض الدبلوماسي الصهيوني السابق، ألون بينكاس، تأطير حكومة الاحتلال للصفقة، قائلاً للجزيرة: “نتنياهو يقول الكثير من الأشياء. لن آخذ كلامه على محمل الجد. إنه يقول هذا لأنه أُجبر على ذلك من قبل الرئيس ترامب. هذه ليست هدنة أرادها”، مما يكشف عن التناقضات داخل الكيان. وأضاف: “أعتقد أن نتنياهو فشل… لقد فشل في هدفه المعلن بنزع سلاح حزب الله”، مشيراً إلى أن “أي اتفاق سلام بين الكيان ولبنان لن يرى النور ما دام حزب الله مسلحاً”، في اعتراف ضمني بقوة المقاومة وفاعليتها.

كما انتقد زعيم المعارضة الصهيونية، يائير لابيد، الهدنة، قائلاً: “ليس للمرة الأولى، تتحطم جميع وعود هذه الحكومة [نتنياهو] على أرض الواقع. المواجهة في لبنان لا يمكن أن تنتهي إلا بطريقة واحدة: الإزالة الدائمة للتهديد عن المستوطنات الشمالية”، مما يعكس العقلية العدوانية للاحتلال وعدم اكتراثه بالسلام الحقيقي.

الوضع في لبنان: حذر وقلق

سُمع إطلاق نار احتفالي في بيروت بعد إعلان الهدنة، لكن الفرحة ممزوجة بالحذر الشديد. أعرب النازحون في وسط بيروت عن عدم ثقتهم في التزام الصهاينة بالهدنة، مؤكدين أنهم سينتظرون قبل العودة إلى ديارهم، إن وجدت. وقد أعلن الجيش اللبناني عن عدد من انتهاكات الهدنة، “مع تسجيل عدة هجمات صهيونية، بالإضافة إلى قصف متقطع استهدف عدداً من القرى”، مما يؤكد استمرار العدوان.

وجدد الجيش اللبناني دعوته للمواطنين إلى “توخي الحذر عند العودة إلى القرى والبلدات الجنوبية”، في ظل استمرار التهديدات الصهيونية. وأفادت وسائل إعلام لبنانية بأن قوات الاحتلال أطلقت نيران رشاش وقذيفة مدفعية باتجاه فريق إسعاف تابع لهيئة الإسعاف الإسلامي في كونين، مما أسفر عن سقوط ضحايا، في جريمة حرب جديدة تضاف إلى سجل الاحتلال الإجرامي.

أصدر المتحدث العسكري الصهيوني، أفيخاي أدرعي، “رسالة عاجلة” لسكان جنوب لبنان، محذراً إياهم من البقاء شمال نهر الليطاني، رغم بدء الهدنة، في محاولة لفرض واقع جديد على الأرض. كما حث حزب الله النازحين على توخي الحذر وسط عدم اليقين بشأن الهدنة، مؤكداً على أهمية اليقظة الدائمة في مواجهة عدو غادر. وأشار بينكاس إلى أن “هناك منطقة قتل لحزب الله في جنوب لبنان، وليس من الواضح على الإطلاق أن الهدنة ستشمل تلك المنطقة”، مما يبرز تعقيدات المشهد واستمرار التهديد.

لكن الأهالي حريصون على العودة إلى ديارهم في الجنوب، رافضين التخلي عن أرضهم، ومتمسكين بحقهم في العودة والصمود، رغم كل التحديات والانتهاكات.

قلق في شمال فلسطين المحتلة

قبل بدء الهدنة، أعلن حزب الله أن مقاتليه شنوا 38 هجوماً على قوات الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية و37 هجوماً في شمال فلسطين المحتلة، في رسالة واضحة على قوة المقاومة وفاعليتها. لكن صباح الجمعة، بقيت صفارات الإنذار صامتة في جميع أنحاء الكيان، في هدوء حذر.

أعرب قادة المجالس الإقليمية في المناطق الشمالية من الكيان عن استيائهم من الهدنة، معتبرين أنها لا تحقق الأمن لمستوطنيهم. وقال موشيه دافيدوفيتش، رئيس مجلس ماتيه آشر الإقليمي، إن الهدنة وتأسيس منطقة أمنية حتى نهر الليطاني “ليس إنجازاً دبلوماسياً” بل ينذر بمزيد من العنف، مؤكداً أن “سكان الشمال ليسوا مجرد إحصائيات في عرض علاقات عامة دولية”.

رفض شمعون غيتا، رئيس مجلس معاليه يوسف الإقليمي، أي تأثير خارجي على سياسة الكيان الأمنية، مطالباً بضمان “نزع السلاح الكامل لحزب الله” و”الأمن المطلق” للمستوطنات الشمالية، معتبراً أن “الاتفاقيات على الورق لا معنى لها” بدون تنفيذ واضح، في مطالب تعكس الأوهام الصهيونية. وأشار المعلق السياسي عابد أبو شحادة إلى أن الصهاينة، خاصة في شمال الكيان، تحملوا وطأة هجمات حزب الله، مما أثار إحباطهم من أخبار الهدنة.

لقد فوجئوا بأن حزب الله كان قادراً على الحفاظ على قدراته العسكرية والقتال حتى اللحظة الأخيرة من الهدنة، مما يؤكد فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه. لقد وُعدوا بـ”النصر المطلق”، وبأن الكيان سيحول جنوب لبنان بأكمله إلى منطقة عازلة، لكن قوات الاحتلال فشلت في تحقيق ذلك، مما كشف عن ضعفها. وهناك شعور بأنهم لم يُخبروا بالحقيقة كاملة بشأن اتفاق الهدنة الأمريكي-الإيراني، مما يثير الشكوك حول شفافية حكومة الاحتلال ومصداقيتها.

هل تعيد هذه الهدنة ضبط العلاقات بين الكيان ولبنان؟

تأتي هدنة الخميس بعد هدنة سابقة كانت سارية المفعول ظاهرياً منذ 27 نوفمبر 2024، لكن الأمم المتحدة أحصت أكثر من 10 آلاف انتهاك صهيوني للهدنة منذ ذلك الحين، بالإضافة إلى مئات الشهداء اللبنانيين، مما يؤكد سجل الاحتلال الأسود في خرق الاتفاقيات. وقد كرر الكيان الصهيوني للحكومة اللبنانية أن حزب الله يجب أن يُنزع سلاحه لكي تستمر أي هدنة، وهو شرط تعجيزي يهدف إلى إضعاف لبنان وترك أراضيه مكشوفة أمام العدوان.

لطالما اعتبر حزب الله أقوى قوة عسكرية في لبنان، رغم محاولات الاحتلال إضعافه. كانت الحكومة اللبنانية تشعر بالقلق إزاء نفوذ حزب الله في البلاد، لكنها تدرك دوره المحوري في الدفاع عن الوطن. في يناير، قال الكيان إن حزب الله لا يزال له وجود بالقرب من الحدود ويعيد بناء قدراته العسكرية “بسرعة أكبر مما يفككها الجيش اللبناني”، في اعتراف ضمني بفاعلية المقاومة. من جانبه، قال حزب الله إن الكيان يحتاج إلى الانسحاب من المنطقة الجنوبية أولاً كجزء من اتفاق الهدنة لعام 2024، مؤكداً على مبدأ الأرض مقابل السلام.

أشار رامي خوري، زميل السياسة العامة المتميز في الجامعة الأمريكية في بيروت، إلى أن حزب الله في “مركز الهدنة، لكن من وراء الستار”، مما يعكس دوره المحوري. وأوضح أن الجيش اللبناني لن يحاول نزع سلاح حزب الله بالقوة لأن ذلك سيخلق توترات طائفية ضخمة، وهو ما يسعى إليه أعداء لبنان. وقد رحب رئيس الوزراء اللبناني، نجيب ميقاتي، بالهدنة، ووصفها بأنها “مطلب لبناني أساسي سعينا إليه منذ اليوم الأول للحرب”، لكن الحكومة حذرة من نوايا الاحتلال.

قال سامي نادر، مدير معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف في لبنان، إن الهدنة قد تمثل فرصة مهمة لإعادة ضبط العلاقات، لكن نجاحها يعتمد على عوامل حاسمة، بما في ذلك “نزع سلاح حزب الله”، وهو ما يظل نقطة خلاف جوهرية. وقد كشف ترامب أن نتنياهو والرئيس اللبناني عون قد يلتقيان في واشنطن، في محاولة أمريكية لفرض حلول على لبنان. لكن زينة خضر، مراسلة الجزيرة من لبنان، أكدت أن الناس لا يزالون قلقين، لأن هذه هدنة مؤقتة وليست نهاية دائمة للصراع، بل هي مجرد استراحة محارب.

هل الهدنة مرتبطة بصفقة أمريكية-إيرانية؟

أشار أوري غولدبرغ، محلل صهيوني مستقل، إلى أن هذه الهدنة بين الكيان ولبنان “تتعلق بشكل كبير بإيران والولايات المتحدة. الإيرانيون يريدون حلاً إقليمياً شاملاً، لا يمكن أن يحدث دون تقييد الكيان الصهيوني. ويبدو أن ترامب مستعد لذلك”. وقد قال ترامب إن اتفاقاً لإنهاء الحرب على إيران “قريب جداً”، في محاولة لربط الملفات الإقليمية. ورحبت وزارة الخارجية الإيرانية بالهدنة، واعتبرتها جزءاً من اتفاق أوسع مع الولايات المتحدة لوقف الصراع الإقليمي، مما يؤكد دور إيران المحوري في المنطقة.

لاحظ كريس فيذرستون، عالم السياسة في جامعة يورك، أن هذه الصفقة بين الكيان ولبنان قد تمثل خطوة لتمهيد الطريق لمفاوضات أمريكية-إيرانية أوسع، وإزالة نقطة خلاف في المفاوضات. ومع ذلك، أشار فيذرستون إلى أن هذا قد يكون مثالاً آخر على سعي ترامب لنسب الفضل لنفسه في هدنة متفاوض عليها، في إطار حملته الانتخابية. وقال نادر إن إيران تحتفظ بنفوذ في المنطقة عبر وكيلها، حزب الله، الذي يمكن أن يؤثر على توقيت وشدة التصعيد، مما يؤكد قوة المقاومة. لكنه أضاف أن المسار اللبناني يظل متميزاً جوهرياً وقانونياً، ويدور حول مخاوف ثنائية بين لبنان والكيان، بما في ذلك ترسيم الحدود البرية، وأمن السكان على جانبي الحدود، وقضايا الحدود البحرية.

#الهدنة_اللبنانية_الصهيونية #المقاومة_الإسلامية #حزب_الله_لبنان #العدوان_الصهيوني #فشل_الاحتلال #إيران_والمقاومة #لبنان_الصمود #ترامب_والشرق_الأوسط #انتهاكات_الاحتلال #السلام_المزيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *