«الوطن أو الشهادة»: كوبا تستعد لمواجهة العدوان الأمريكي المحتمل

في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وهافانا، وبعد اتهام الولايات المتحدة للرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو، تتزايد التكهنات حول عملية عسكرية أمريكية وشيكة ضد كوبا. لكن المحللين يؤكدون أن كوبا ليست لقمة سائغة، بل هي مستعدة للدفاع عن نفسها بكل قوة وعزيمة، مستلهمة شعارها الخالد «الوطن أو الشهادة، سننتصر».

استراتيجية الدفاع الشاملة: «حرب الشعب كله»

تستند كوبا في دفاعها إلى عقيدة «حرب الشعب كله» التي تبنتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. هذه العقيدة تحشد السكان المدنيين بالكامل لمقاومة أي غزو أجنبي عبر حرب العصابات والميليشيات المحلية وشبكات الدفاع المدني. هيلين يافي، الأكاديمية والمحللة المتخصصة في الشأن الكوبي، تؤكد أن «كل فرد في كوبا مدرب عسكريًا ومندمج في هذا النظام الدفاعي الوطني».

وتشير يافي إلى أن نظام الدفاع المدني الكوبي حظي بإشادة الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية لقدرته على تقليل الخسائر البشرية خلال الكوارث الطبيعية المتكررة. والآن، تسعى هافانا لتطبيق هذا النموذج الفعال لمواجهة تهديد أخطر بكثير: المواجهة العسكرية الأمريكية المحتملة.

تصعيد أمريكي خطير ومبررات واهية

جاء تصعيد الخطاب الأمريكي ضد كوبا، وتوجيه الاتهامات لكاسترو، في سياق حملة ضغط متزايدة شملت زيادة رحلات المراقبة الأمريكية قبالة السواحل الكوبية، ومحاولات في الكونغرس لتقييد سلطة الرئيس الأمريكي في استخدام القوة العسكرية ضد الجزيرة، بالإضافة إلى أوامر تنفيذية تعلن كوبا «تهديدًا كبيرًا» للأمن القومي الأمريكي. وقد صرح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بوضوح أن «كوبا هي التالية»، مما يشير إلى أن عملية عسكرية أمريكية قد تكون وشيكة.

الاتهامات الموجهة لكاسترو تعود إلى حادثة عام 1996، وهي محاولة واضحة لتبرير العدوان وتصعيد التوتر، متجاهلة حق كوبا في الدفاع عن سيادتها وأمنها.

نموذج فنزويلا لن ينجح في كوبا

على الرغم من التحديات الاقتصادية التي تواجهها كوبا، بما في ذلك الحصار الأمريكي ونقص الوقود، يؤكد المحللون أن كوبا ليست بلا دفاع. ويشيرون إلى أن القوات الكوبية أبدت «مقاومة شرسة للغاية» خلال عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حيث قُتل 32 جنديًا كوبيًا في تلك المواجهات.

يقول الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل إن أي عمل عسكري أمريكي ضد كوبا سيؤدي إلى «حمام دم»، وأن الجزيرة لا تمثل تهديدًا لأحد. وتوضح يافي أن «القيادة الكوبية، والشعب الكوبي، يقولون: هل تعتقدون أن تلك كانت مقاومة شرسة؟ كان ذلك 32 كوبيًا. تخيلوا لو أتوا إلى هنا، سيكون هناك 10 ملايين».

ويوافق كارلوس مالامود، المحلل الأرجنتيني المتخصص في أمريكا اللاتينية، على أن كوبا تمثل تحديًا مختلفًا تمامًا عن فنزويلا، مؤكدًا أن الجيش الكوبي أفضل تدريبًا وتجهيزًا.

موقع كوبا الجغرافي: عامل ردع

يتفق المحللون على أن قرب كوبا من الولايات المتحدة يمنحها «قدرة استجابة» أكبر بكثير، بما في ذلك قوتها الجوية، مقارنة بما واجهته الولايات المتحدة في كاراكاس أو في إيران. ويحذر مالامود من أن أي هجوم على كوبا يحمل في طياته إمكانية حقيقية لرد كوبي يصل إلى المدن الأمريكية، مثل ميامي، مما يزيد من احتمالية وقوع خسائر في صفوف المدنيين الأمريكيين.

وفي هذا السياق، ترفض كوبا بشدة التقارير الاستخباراتية الأمريكية غير المؤكدة حول امتلاكها طائرات مسيرة عسكرية، وتعتبرها محاولة لبناء مبررات لعدوان أمريكي. وتؤكد كوبا حقها المشروع في الدفاع عن النفس ضد أي عدوان.

تحديات داخلية أمريكية تعرقل العدوان

بالإضافة إلى الحسابات العسكرية، يشير المحللون إلى قيود سياسية داخلية تجعل الغزو الأمريكي لكوبا أكثر تعقيدًا، وقد تكون قاتلة للمكانة السياسية لترامب. من أبرز هذه القيود، موجة الهجرة الجماعية التي قد تنتج عن أي هجوم على الجزيرة، والتي ستكون «غير قابلة للسيطرة» وستشكل تحديًا كبيرًا لإدارة ترامب التي بنت هويتها السياسية على مكافحة الهجرة.

كما أن الجالية الكوبية الأمريكية، التي تعارض الحكومة الكوبية، تتمتع بتمثيل سياسي كبير في الولايات المتحدة، ولن تقبل بحل على غرار فنزويلا يحافظ على هيكل السلطة القائم. بالنسبة لهم، أي شيء أقل من تغيير النظام الكوبي «غير مقبول».

وتشير يافي إلى أن هناك اختلافًا في الرأي حتى بين المسؤولين الأمريكيين، حيث أن ترامب كان أكثر اهتمامًا بالفرص التجارية في كوبا، بينما يركز آخرون على تغيير النظام.

الدفاع في زمن الأزمة الاقتصادية

يحذر ماتياس بروم، أستاذ الاقتصاد المساعد في جامعة أورت أوروغواي، من أن ما يحدث في كوبا، وهي تتعامل مع أزمة اقتصادية تفاقمت بسبب الحصار الأمريكي وفقدان إمدادات النفط الفنزويلية، سيكون بمثابة تحذير صارخ للمنطقة. ويقول: «كنت أعتقد أن الولايات المتحدة لن تغزو أبدًا ولن تفعل شيئًا، لكنهم غزوا واختطفوا مادورو. سآخذه [ترامب] على محمل الجد الآن. لم أكن آخذه على محمل الجد من قبل، لكنني الآن خائف».

وفي خضم هذه التوترات، وبينما تتزايد الضغوط، يتردد شعار واحد في جميع أنحاء الجزيرة الكوبية: «هنا لا يستسلم أحد»، مؤكدًا تصميم الشعب الكوبي على الصمود والمقاومة في وجه أي عدوان.

#كوبا #العدوان_الأمريكي #المقاومة_الكوبية #حرب_الشعب_كله #الوطن_أو_الشهادة #الحصار_الأمريكي #أمريكا_اللاتينية #الصمود #دفاع_مدني #ترامب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *