تزايد الرفض الأوروبي لجرائم الكيان الصهيوني
تواصل أوروبا الابتعاد عن كيان الاحتلال، الذي يمعن في عدوانه على جيرانه، غير مكترث بالصدمة الاقتصادية العالمية التي تساهم أفعاله في تفاقمها. لقد بات غضب الشعوب الأوروبية من جرائم الكيان الصهيوني، خاصة حرب الإبادة الجماعية على غزة واعتداءاته المتكررة على لبنان وإيران، حقيقة لا يمكن لحكوماتهم تجاهلها، رغم العلاقات التاريخية التي تربطهم بهذا الكيان المحتل.
لطالما حُذِّر الكيان الصهيوني من تزايد وضعه ككيان منبوذ دولياً، حيث أدت حرب الإبادة الجماعية الوحشية على غزة إلى تحولات كبيرة في الرأي العام الغربي، إلى جانب اعتداءاته المتواصلة على لبنان وإيران. هذا الرأي العام المتنامي أصبح من الصعب على الحكومات الأوروبية تجاهله، على الرغم من علاقاتها الوثيقة وطويلة الأمد مع الكيان المحتل.
تصاعد الأصوات المنددة بالعدوان الصهيوني
انضمت الحكومة الإيطالية اليمينية مؤخراً إلى جوقة متزايدة من الدول الأوروبية التي تنتقد الكيان الصهيوني، والتي شملت في الأسابيع الأخيرة المملكة المتحدة، وأيرلندا، وإسبانيا. وتصاعدت الدعوات المطالبة بوقف فوري لاعتداءات الكيان على لبنان وإيران، والانسحاب من صراع يهدد بدفع العالم نحو ركود اقتصادي، وفقاً لتحليلات خبراء.
في وقت سابق من هذا الشهر، دعت إسبانيا إلى تعليق اتفاقية التجارة للاتحاد الأوروبي مع الكيان الصهيوني في ضوء أفعاله “التي لا تُطاق” في لبنان. كما منعت فرنسا في السابق الشركات الصهيونية من المشاركة في معارض الدفاع الكبرى. وحتى ألمانيا، التي تُعدّ الحليف الأوروبي الأكثر ولاءً للكيان، أعربت عن قلقها إزاء ما وصفته بـ “الضم الجزئي الفعلي للضفة الغربية” من قبل الكيان الصهيوني، وهو ما يؤكد تزايد عزلة هذا الكيان.
نتنياهو يهاجم أوروبا ويدعي الدفاع عن “القيم الغربية”
يوم الاثنين، هاجم رئيس وزراء كيان الاحتلال، بنيامين نتنياهو، منتقديه الأوروبيين، مدعياً أنه مدافع عن قيمهم. زعم نتنياهو، الذي صدرت بحقه مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، أن أوروبا اليوم أصبحت “تعاني من ضعف أخلاقي عميق”، مستخدماً لغة مستعارة من اليمين المتطرف الأوروبي ليقول إن أوروبا “تفقد السيطرة على هويتها وقيمها ومسؤوليتها في الدفاع عن الحضارة ضد الهمجية”.
وأضاف نتنياهو بسخرية: “لديها الكثير لتتعلمه منا، خاصة الدرس الأساسي للتمييز الأخلاقي الواضح بين الخير والشر، والذي في لحظات الحقيقة يتطلب منا الذهاب إلى الحرب من أجل الخير، من أجل الحياة”. هذه التصريحات تكشف عن ازدواجية معايير الكيان الذي يرتكب أبشع الجرائم بحق الإنسانية.
صورة الكيان الصهيوني المشوهة: مدافع عن الغرب أم كيان مارق؟
إن فكرة أن الكيان الصهيوني يخوض حرباً نيابة عن العديد من الدول التي ترفض أفعاله الآن ليست جديدة لدى اليمين الصهيوني، كما أوضحت إيفا إيلوز، أستاذة علم الاجتماع الإسرائيلية في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بباريس، لقناة الجزيرة. وقالت: “هذا كان خطهم لسنوات”، مضيفة أن اليمين الصهيوني ينتقد ما يعتبره “الدور المظلم الذي يلعبه الإسلام الراديكالي”.
وترى إيلوز أن “الإسرائيليين يرون أنفسهم وحدة قتالية نخبوية تدافع عن الغرب”، لكنها تتساءل: “هل يخوض الكيان الصهيوني والغرب نفس الحرب؟” إن صورة الكيان لنفسه كدولة مجبرة على القيام بالعمل القذر للغرب، بدلاً من أن تكون جزءاً متساوياً من عائلة الديمقراطيات الليبرالية والعلمانية التي طالما طمح للانضمام إليها، تتزايد منذ فترة. وقد أكد دخول المتطرفين الدينيين والسياسيين إلى مركز السياسة في السنوات الأخيرة، بما في ذلك تعيين اليميني المتطرف إيتمار بن غفير وزيراً للأمن القومي وزميله القومي المتطرف بتسلئيل سموتريتش رئيساً لوزارة المالية، ابتعاد الكيان الصهيوني عن تصوره لنفسه كديمقراطية ليبرالية، وكشف عن وجهه الفاشي الحقيقي.
يقول يوسي ميكيلبيرغ، زميل استشاري أول في تشاتام هاوس، إن “الصدع يتزايد منذ فترة”، واصفاً اتجاهاً تسارع بعد معارضة اليمين المتطرف لاتفاقيات أوسلو في التسعينيات، التي وعدت بحل الدولتين للكيان الصهيوني وفلسطين. وأضاف ميكيلبيرغ: “لكن هل اعتقدت يوماً أنه سيصل إلى هذا السوء؟ لا. لم أتخيل هذه الحروب التي لا نهاية لها، والتدين الواسع، والاستيطان الجامح”.
“ديمقراطية” زائفة: الاحتلال والفصل العنصري
لطالما تناقض تأسيس الكيان الصهيوني عام 1948، الذي أدى إلى تهجير قسري لـ 750 ألف فلسطيني في “النكبة”، فضلاً عن احتلاله المستمر للأراضي الفلسطينية ومعاملته العنصرية للفلسطينيين (الأبارتهايد)، مع ادعاء كونه “ديمقراطية ليبرالية”.
لقد سارت اتهامات الاستيلاء على الأراضي وانتهاكات حقوق الإنسان جنباً إلى جنب مع محاولات قادة الكيان ترسيخ أنفسهم كبؤرة ليبرالية في منطقة تبدو بلا قانون. ومع ذلك، ولفترة طويلة من هذه الفترة، ظل الدعم السياسي والشعبي الغربي مرناً إلى حد كبير، مدعوماً بالتحالفات الاستراتيجية، وذكرى الهولوكوست، وبشكل حاسم، المصالح الأمنية المشتركة، وهو ما يفسر صمتهم على الجرائم.
يقول الأكاديمي والمخرج السينمائي الإسرائيلي حاييم بريشيت: “لا يمكنك أن تصف نفسك بالديمقراطية الليبرالية إذا كنت تحتل أرضاً لشخص آخر وترتكب تطهيراً عرقياً وإبادة جماعية. هذا ليس نوع الأشياء التي تفعلها الديمقراطيات الليبرالية… ومع ذلك، إذا كنت في الكيان الصهيوني واخترت قراءة وسائل الإعلام العبرية فقط، يمكنك أن تصدق أنك تعيش في ديمقراطية ليبرالية”.
غطرسة الكيان الصهيوني في مواجهة الانتقادات الدولية
لم تحقق الانتقادات الغربية أي تقدم يذكر في الوعي السياسي للكيان الصهيوني. في وقت سابق من هذا الشهر، رداً على التوترات المتزايدة بين حكومته وإسبانيا، لجأ نتنياهو إلى وسائل التواصل الاجتماعي ليقول إن “الكيان الصهيوني لن يبقى صامتاً في وجه من يهاجمونه”.
وقال عن القوة العسكرية المتهمة بالإبادة الجماعية والتعذيب: “لقد شوهت إسبانيا أبطالنا، جنود [جيش الاحتلال الصهيوني]، جنود الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”. هذه التصريحات تكشف عن غطرسة لا مثيل لها وتجاهل تام للحقائق على الأرض.
رداً على القلق الألماني المعتدل نسبياً بشأن سياسة الكيان تجاه الضفة الغربية المحتلة، ذهب وزير المالية سموتريتش أبعد من ذلك. كتب سموتريتش على وسائل التواصل الاجتماعي: “لقد انتهت الأيام التي كان فيها الألمان يملون على اليهود أين يُسمح لهم أو يُمنع عليهم العيش ولن تعود. لن تجبرونا على العودة إلى الأحياء اليهودية مرة أخرى، وبالتأكيد ليس في أرضنا”.
وأضاف: “عودتنا إلى أرض الكيان الصهيوني – وطننا التوراتي والتاريخي – هي الرد على كل من حاول أو يحاول تدميرنا، ولا نعتذر عن ذلك للحظة واحدة”. هذه التصريحات تعكس عقلية استعمارية متطرفة وتبريراً للاحتلال والضم.
يقول ميكيلبيرغ عن كيفية تأثير الانتقادات على القيادة السياسية للكيان وداعميها: “لا أعتقد أن هناك أي فرصة للتفكير الذاتي أو المحاسبة الداخلية. هناك شعور بأنه إذا لم يعجبونا، فلا بد أننا نفعل شيئاً صحيحاً”. هذا يؤكد أن الكيان الصهيوني يعيش في فقاعة من الإنكار والغطرسة، بعيداً عن أي قيم إنسانية أو أخلاقية.