تشهد العاصمة الروسية موسكو مؤخرًا تحولًا في شعور سكانها بالأمان، فبعد أن كانت بمنأى نسبي عن تداعيات الحرب، أصبحت الآن هدفًا لهجمات الطائرات المسيرة. ففي يوم الأحد الماضي، قُتل ثلاثة أشخاص، بينهم مواطن هندي، جراء ضربة بطائرة مسيرة على موسكو. وفي اليوم نفسه، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها أسقطت أكثر من 1000 طائرة مسيرة خلال 24 ساعة.

تأتي هذه الهجمات بعد أسبوع واحد فقط من تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن الحرب في أوكرانيا، التي استمرت لأكثر من أربع سنوات وحصدت مئات الآلاف من الأرواح، قد «تقترب من نهايتها». بل أعرب بوتين عن استعداده للقاء نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في دولة محايدة لتوقيع اتفاقيات سلام، لكنه أضاف: «النصر كان دائمًا وسيبقى لنا».

قوبلت كلمات بوتين بالتشكيك من قبل الكثيرين، خاصة وأن وعود سابقة بإنهاء الصراع، مثل تلك التي أطلقها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لم تتحقق. ويشير سيمون شليغل، مدير مركز الحداثة الليبرالية في برلين، إلى أن «وقف إطلاق النار المعلن لم يتم، ولا حتى تبادل الأسرى»، مؤكداً أن لا يوجد تقدم في القضايا الجوهرية كالأراضي والضمانات الأمنية. وبعد هجمات نهاية الأسبوع، أعلن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن «عملية السلام متوقفة مؤقتًا».

**«روسيا لا تنتصر في هذه الحرب حاليًا»**

تبدو المواقف الروسية والأوكرانية عصية على الحل. يصر بوتين على أنه لا سلام حتى تتنازل أوكرانيا عن جميع الأراضي التي تدعي روسيا ملكيتها، مهددًا بالاستيلاء عليها بالقوة إذا لزم الأمر. في المقابل، يؤكد زيلينسكي أنه ممنوع دستوريًا من التنازل عن أي أرض، ويقترح وقف إطلاق نار على طول خطوط الجبهة الحالية مع حل القضايا الإقليمية دبلوماسيًا، ومستعد للتخلي عن مسعى أوكرانيا للانضمام إلى الناتو مقابل ضمانات أمنية.

على الرغم من التقدم البطيء للقوات الروسية، إلا أنها لم تسيطر بعد بالكامل على منطقة دونباس. وتشير مصادر إلى أن الكرملين يماطل في المفاوضات لتعزيز مكاسبه الميدانية. يرى شليغل أن «روسيا لا تنتصر في هذه الحرب حاليًا»، مشيرًا إلى تفوق الأوكرانيين في الطائرات المسيرة وقدرات الضربات العميقة التي أثرت على صادرات النفط الروسية، وارتفاع معدل اعتراضهم للمسيرات والصواريخ الروسية.

ويوضح شليغل أن الروس، رغم قوتهم البشرية المتفوقة، «يريدون كسب الوقت. والتظاهر بالدبلوماسية طريقة جيدة للقيام بذلك»، مؤكداً عدم وجود تحرك في مطالب موسكو أو أهداف أوكرانيا الحربية. وقد أشارت روسيا مؤخرًا إلى رغبتها في إشراك أوروبا في المفاوضات.

من جانبه، أبدى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا استعداد الاتحاد الأوروبي للتفاوض، لكنه أوضح أنه ليس «الوقت المناسب» بعد، ولا يرغب في تعطيل جهود ترامب. وقد قوبل اقتراح بوتين بأن يمثل المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر الاتحاد الأوروبي بالتشكيك في بروكسل، نظرًا لعلاقات شرودر القوية بالشركات الروسية.

يؤكد أليكسي نيشاييف من نادي «ديغوريا إكسبرت كلوب» أن موسكو منفتحة على المفاوضات، لكنه يرى أن تصريحات السياسيين الأوروبيين تتناقض مع أفعالهم، مثل توسيع الدعم العسكري لأوكرانيا وتعزيز الناتو على حدود روسيا. ويشدد على ضرورة أن تناقش أوروبا الأسباب الجذرية للأزمة والمصالح الأمنية الروسية.

**صعود اليمين المتطرف في أوروبا: انتصار لروسيا؟**

قد يؤثر صعود اليمين المتطرف في أوروبا، كما هو متوقع في الانتخابات الفرنسية والألمانية والبريطانية، على الدعم الأوروبي لأوكرانيا، مما قد يمنح موسكو سببًا إضافيًا للمماطلة. يقول شليغل: «إذا تمكن بوتين من كسب الوقت الكافي، فقد تظل هناك فرصة له للتأثير على السياسة الأوروبية بطريقة تجعل أوكرانيا تحصل على مساعدة أقل بكثير».

لكن مرور الوقت قد يكون في صالح أوكرانيا أيضًا، مع تكثيف كييف لضرباتها على المعدات والبنية التحتية وخطوط الإمداد الروسية. يرى شليغل أن الأوكرانيين «لديهم الآن نفوذ أكبر بكثير مما كان لديهم قبل عام»، مما يقربهم من وضع يمكنهم فيه التفاوض بشروطهم الخاصة.

ومع ذلك، يعتقد مراقبون مثل إيليا بودرايتسكيس، عالم الاجتماع الروسي، أن القيادة الروسية تعارض التنازلات الجدية حاليًا، حيث يجب على بوتين تحقيق أهدافه الأولية لتجنب الظهور بمظهر الضعيف، وهو مستعد للتضحية بعشرات الآلاف من الجنود لتحقيق ذلك. ويرى بودرايتسكيس أن التوصل إلى حل وسط ممكن فقط إذا انفصلت مصالح الشعب الروسي والأمن الدولي عن مصالح بوتين الشخصية، وهو ما لم يحدث بعد.

يعبر أناتولي، مواطن موسكوفي، عن سخطه من استمرار الحرب، متمنيًا أن «ينتهي كل شيء وأن يتوقف الناس عن الموت»، ومعربًا عن أمله في التوصل إلى اتفاق بحلول نهاية العام.

#روسيا_أوكرانيا #الحرب_الروسية_الأوكرانية #دبلوماسية_زائفة #هجمات_المسيرات #مفاوضات_السلام #خسائر_الحرب #فلاديمير_بوتين #فولوديمير_زيلينسكي #الناتو #أوروبا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *