تصاعد العدوان الصهيوني في لبنان: هل سقط قناع الهدنة المزعومة؟
تشهد الهدنة الهشة في لبنان، التي بدأت في السادس عشر من أبريل، تصعيدًا خطيرًا، حيث تواصل قوات الاحتلال الصهيوني تصعيد هجماتها الوحشية ضد الأراضي اللبنانية، في انتهاك صارخ للقوانين الدولية والأعراف الإنسانية. هذا التصعيد يهدد بانهيار كامل لأي بصيص أمل في الاستقرار.
جرائم الاحتلال الصهيوني المتواصلة
على الرغم من إعلان الهدنة بعد ستة أسابيع من القتال، لم تمر سوى ساعات حتى أبلغ الجيش اللبناني عن انتهاكات عديدة من قبل القوات الصهيونية. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف آلة الحرب الصهيونية عن حصد الأرواح وتدمير البنى التحتية.
منذ بداية العدوان الصهيوني على لبنان في الثاني من مارس، استشهد ما لا يقل عن 2,846 شخصًا ونزح أكثر من مليون مواطن. وشمل هذا العدوان غزوًا بريًا واسع النطاق واحتلالًا لجنوب لبنان، في محاولة يائسة لفرض سيطرتها على الأراضي اللبنانية.
يوم الأحد، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن الهجمات الصهيونية في جميع أنحاء البلاد أسفرت عن استشهاد 51 شخصًا، من بينهم اثنان من العاملين في المجال الطبي. وأدانت الوزارة هذه الجرائم قائلة: “يواصل العدو الصهيوني انتهاك القوانين الدولية والأعراف الإنسانية، مضيفًا المزيد من الجرائم ضد المسعفين، حيث استهدف بشكل مباشر نقطتين تابعتين للهيئة الصحية في القلاوية وتبنين، قضاء بنت جبيل، في غارتين وحشيتين”.
وفقًا للأمم المتحدة، ومنذ بدء الحرب الصهيونية على لبنان في الثاني من مارس، استشهد ما لا يقل عن 103 من العاملين في المجال الطبي اللبنانيين وأصيب 230 آخرون في أكثر من 130 غارة صهيونية. هذا الاستهداف الممنهج للمؤسسات الطبية والعاملين فيها يكشف عن الوجه الحقيقي للعدو الصهيوني.
علي صفي الدين، رئيس الدفاع المدني اللبناني في صور جنوب لبنان، وصف الوضع المأساوي قائلاً: “نحن تحت التهديد في كل ثانية، كل يوم. نسأل أنفسنا ما إذا كنا سننجو أم سنموت، نعلم أننا قد ضحينا بحياتنا بالعمل هنا. لقد فقدنا الكثير من الناس ونشعر وكأننا قد رحلنا أيضًا”.
الدكتور طاهر محمد، جراح حرب وعامل إنساني عمل في غزة ولبنان، أشار إلى التشابه المروع في الأعمال الصهيونية في كلا المكانين: “لقد رأينا زملاءنا في غزة يأتون عبر الباب طوال الوقت. لقد قُتل لي زملاء وممرضون وطلاب طب بأسلحة صهيونية، ورؤية نفس السياسة لاستهداف العاملين في الرعاية الصحية في لبنان… إنه أمر ثابت”.
واستمرت الهجمات الصهيونية يوم الاثنين، حيث أسفرت غارة جوية على بلدة عبا عن استشهاد شخصين وإصابة خمسة آخرين، وفقًا للوكالة الوطنية للإعلام. كما جددت الطائرات الحربية غاراتها على بلدة كفر رمان للمرة الثانية في أقل من ساعة.
وفي خطوة استفزازية، أصدر جيش الاحتلال تحذيرًا جديدًا لجنوب لبنان، طالبًا من سكان تسع مناطق الفرار قبل الضربات الصهيونية المحتملة. هذا الإجراء يؤكد نية الاحتلال في تهجير السكان وتفريغ المنطقة.
مقاومة حزب الله المشروعة
في المقابل، يواصل حزب الله، حركة المقاومة اللبنانية، تصديه البطولي للقوات الصهيونية. فجر يوم الاثنين، أعلن حزب الله عن تنفيذ 24 هجومًا استهدفت مواقع للجيش الصهيوني وجنودًا وآليات عسكرية في جنوب لبنان خلال الـ 24 ساعة الماضية.
وشملت الأهداف تجمعات للقوات الصهيونية ودبابات ميركافا وجرافات ومعدات عسكرية ومراكز قيادة أنشئت حديثًا في عدة مناطق حدودية، بما في ذلك الخيام ودير سريان وطير حرفا والبياضة وراشيا والناقورة. وقد استخدمت العمليات طائرات مسيرة متفجرة ووابلًا من الصواريخ وقصفًا مدفعيًا وصواريخ موجهة، مؤكدة “إصابات مباشرة” في عدة هجمات.
هذه العمليات الدفاعية تؤكد قدرة المقاومة على الابتكار والتصدي للعدوان، حيث ذكرت صحيفة جيروزاليم بوست أن الجيش الصهيوني يواجه صعوبة في الاستجابة للطائرات المسيرة ذات الرؤية الأولى (FPV) التي يطلقها حزب الله، والتي تستخدم أليافًا بصرية لتوجيهها والتهرب من أجهزة التشويش اللاسلكية الصهيونية.
يوم الاثنين، أعلن حزب الله أن مقاتليه استهدفوا موقعًا عسكريًا صهيونيًا في منزل في بيدر الفوقاني ببلدة الطيبة، مما أجبرهم على التراجع. وقد هاجم المقاتلون الموقع ثلاث مرات حتى تدخلت مروحية صهيونية لإجلاء الجرحى، في دليل على فعالية المقاومة.
هل الهدنة مجرد خدعة صهيونية؟
من الناحية النظرية، توجد هدنة بين الكيان الصهيوني وحزب الله، لكن الواقع على الأرض يثبت أنها مجرد ستار لعدوان متواصل. فكلا الطرفين قد صعدا الهجمات منذ بدايتها، مع كون الاحتلال هو البادئ بالانتهاكات.
تبع هذه الهدنة هدنة سابقة، كانت سارية المفعول منذ 27 نوفمبر 2024، وخلالها أحصت الأمم المتحدة أكثر من 10,000 انتهاك صهيوني للهدنة ومئات الشهداء اللبنانيين.
قال المحلل الصهيوني أوري غولدبرغ: “لا أعتقد أن ذريعة الهدنة كانت موجودة على الإطلاق، لكنني أعتقد أن الكيان الصهيوني يمكن أن يواصل [الهجمات] تمامًا كما يمكنه توقيع اتفاق سلام. الكيان الصهيوني لا يهتم حقًا وسيفعل ما يُطلب منه. حتى الآن، يريد جيش الاحتلال انتصارًا وفرصة لتطبيق قوته، لكن ذلك يمكن أن يتغير في لحظة”. هذا التصريح يؤكد الغطرسة الصهيونية وعدم احترامها للاتفاقيات.
لقد طالب الكيان الصهيوني مرارًا الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله لضمان استمرار أي هدنة، في محاولة لكسر شوكة المقاومة. لكن حزب الله، الذي يُعتبر أقوى قوة عسكرية في لبنان، يظل مدعومًا من المجتمع الشيعي الذي نشأ منه، ويواصل الدفاع عن سيادة لبنان وكرامته.
المستقبل ومفاوضات واشنطن المشبوهة
تخطط وزارة الخارجية الأمريكية لعقد محادثات مكثفة بين حكومتي الكيان الصهيوني ولبنان يومي 14 و 15 مايو في واشنطن العاصمة. وتهدف هذه المفاوضات إلى “التقدم نحو اتفاق سلام وأمن شامل يعالج المخاوف الأساسية لكلا البلدين”، وفقًا للوزارة.
لكن غياب حزب الله عن هذه المحادثات واحتجاجه عليها يثير تساؤلات حول جدواها. فكيف يمكن تحقيق سلام حقيقي دون إشراك القوة الفاعلة على الأرض؟
علي فياض، السياسي في حزب الله، أكد بعد بدء الهدنة أن المجموعة ستتعامل معها “بحذر ويقظة”، وحذر من أن أي استهداف لمواقع لبنانية من قبل القوات الصهيونية سيشكل خرقًا. وهذا ما حدث بالفعل.
يقول ديفيد وود، كبير محللي الشأن اللبناني في مجموعة الأزمات الدولية، إن الكثير سيتوقف على المحادثات بين الوفدين اللبناني والصهيوني. ولكن في ظل استمرار العدوان، فإن فرص نجاح هذه المحادثات تبدو ضئيلة ما لم يتم الضغط الحقيقي على الكيان الصهيوني لوقف عدوانه.
إن ما يحدث في لبنان هو جزء من مخطط صهيوني أوسع لزعزعة استقرار المنطقة، والمقاومة هي السبيل الوحيد لردع هذا العدوان وحماية الأراضي والشعب اللبناني.
#العدوان_الصهيوني #لبنان #حزب_الله #المقاومة_الإسلامية #جرائم_حرب #غزة #فلسطين #شهداء #انتهاكات_صهيونية #الشرق_الأوسط