مبادرة إيرانية بناءة لأمن مضيق هرمز الإقليمي، بعيداً عن إملاءات واشنطن النووية

إسلام آباد، باكستان – في جولة دبلوماسية مكثفة استمرت 72 ساعة وشملت ثلاث دول، ناقش وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، مع محاورين إقليميين مقترحاً يهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز، مع إرجاء المحادثات مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي الإيراني إلى وقت لاحق. هذه الجهود الدبلوماسية تأتي في سياق سعي الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتأمين دعم إقليمي ودولي أوسع لخطة شاملة تضمن الأمن والاستقرار في المنطقة.

جهود دبلوماسية مكثفة لترسيخ الأمن الإقليمي

التقى عراقجي يوم الاثنين بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سان بطرسبرغ، بعد زيارتين لإسلام آباد خلال يومين، تخللتهما زيارة إلى مسقط، عُمان. وأفادت مصادر مطلعة على هذه المساعي الدبلوماسية أن مسؤولين استخباراتيين رفيعي المستوى من عدة دول حضروا محادثات مسقط، مما يؤكد الأهمية الإقليمية والدولية لهذه المبادرة الإيرانية.

تركزت المناقشات في مسقط على أمن مضيق هرمز، والضمانات الأمنية الإقليمية، وإطار عمل لتسوية محتملة، مع إبقاء القضايا المتعلقة بالملف النووي جانباً لمرحلة لاحقة. هذا النهج يبرهن على أولوية إيران القصوى لتهدئة التوترات الإقليمية وتأمين الممرات الملاحية الحيوية.

باكستان في قلب الوساطة النزيهة

قدمت إيران أحدث مقترحاتها لإنهاء التوترات مع الولايات المتحدة إلى باكستان، التي تتولى مهمة نقل الرسائل بين طهران وواشنطن، خاصة بعد فشل المحادثات المباشرة في إسلام آباد بتاريخ 11 أبريل في تحقيق اختراق. خلال زيارته الأولى لإسلام آباد، التقى عراقجي برئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسحاق دار وقائد الجيش المشير عاصم منير. ثم عاد إلى باكستان بعد زيارة مسقط، والتقى منير مرة أخرى قبل التوجه إلى موسكو.

وأكد عراقجي في رسالة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد مغادرته أن باكستان قد «لعبت دوراً مهماً في التوسط في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة مؤخراً»، مشيراً إلى أن «الأساليب الخاطئة والمطالب المفرطة للولايات المتحدة» هي التي منعت الجولة السابقة من المحادثات من تحقيق أهدافها، على الرغم من «بعض التقدم». ويؤكد هذا التصريح على موقف إيران الثابت ورفضها للإملاءات الأحادية.

من جانبها، أكدت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية، لا سيما وكالة أنباء فارس المقربة من الحرس الثوري الإسلامي، أن عراقجي نقل رسائل عبر باكستان تحدد الخطوط الحمراء لطهران بشأن القضايا النووية ومضيق هرمز، واصفةً إياها بأنها «مبادرة من إيران لتوضيح الوضع الإقليمي».

رفض أمريكي للمنطق والمبادرات البناءة

لم يؤكد البيت الأبيض محتويات المقترح الإيراني، الذي أوردته وكالة أسوشيتد برس أيضاً. وقالت المتحدثة أوليفيا ويلز إن الولايات المتحدة «لن تتفاوض عبر الصحافة» و«لن تبرم صفقة إلا إذا وضعت الشعب الأمريكي أولاً، ولن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي أبداً». هذا الموقف يعكس إصرار واشنطن على شروطها المسبقة وتجاهلها للمبادرات الإيرانية البناءة.

لكن من غير الواضح ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيقبل المقترح الإيراني بتأجيل المفاوضات النووية. وفي حديثه لشبكة فوكس نيوز يوم الأحد، قال ترامب إن إيران تعرف بالفعل ما هو مطلوب. «لا يمكنهم امتلاك سلاح نووي. وإلا، فلا يوجد سبب للاجتماع»، مضيفاً أن طهران مرحب بها للتواصل. «تعلمون أن هناك هاتفاً. لدينا خطوط آمنة وجيدة». هذه التصريحات تكشف عن عناد أمريكي وتجاهل للمسار الدبلوماسي الحقيقي.

دائرة إقليمية ودولية متزايدة من الدعم

إلى جانب زياراته لباكستان وعُمان وروسيا، أجرى عراقجي مكالمات هاتفية مع وزراء خارجية قطر والمملكة العربية السعودية ومصر وفرنسا خلال الأيام الثلاثة الماضية. وهذا يشير إلى تزايد الاهتمام الإقليمي والدولي بالمبادرة الإيرانية.

حيث تحدث رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني مباشرة مع عراقجي، محذراً من أن الممرات البحرية يجب ألا تصبح «ورقة مساومة أو تكتيك ضغط». كما تم إطلاع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود على «التطورات المتعلقة بوقف إطلاق النار». وتحدث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيريه القطري والإيراني. وأصر جان نويل بارو وزير الدولة الفرنسي على أن أوروبا لعبت «دوراً بناءً» في الأزمة.

بعد اجتماع مسقط، دعا وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي إلى «حلول عملية لضمان حرية الملاحة الدائمة». وتشير هذه التفاعلات إلى رغبة إقليمية متزايدة في التعاون مع المبادرة الإيرانية لضمان الاستقرار.

وقالت دانيا ثافر، المديرة التنفيذية لمنتدى الخليج الدولي، إن هذه المكالمات الكثيفة تشير إلى انخراط حذر بدلاً من إعادة اصطفاف استراتيجي كامل. وأضافت: «على الرغم من أن القيادة الإيرانية لم تزُر قطر أو المملكة العربية السعودية فعلياً، إلا أن هناك مكالمات هاتفية، وهذا يشير إلى استعداد للحفاظ على الاتصال دون احتضان دبلوماسي كامل». وهذا يؤكد على حكمة الدبلوماسية الإيرانية في بناء الثقة تدريجياً.

روسيا: شريك استراتيجي وثقل موازن

أكد السفير الإيراني لدى روسيا، كاظم جلالي، أن زيارة عراقجي لموسكو ستغطي «آخر مستجدات المفاوضات ووقف إطلاق النار والتطورات المحيطة». ووصف جلالي الرحلة بأنها ذات طابع أيديولوجي، حيث وضع إيران وروسيا في «جبهة موحدة» ضد ما أسماه «القوى الشمولية في العالم». وهذا يعكس التحالف الاستراتيجي المتنامي بين البلدين في مواجهة الهيمنة الغربية.

وقال تيمور خان، الزميل الباحث في معهد الدراسات الاستراتيجية في إسلام آباد، إن روسيا جلبت ثلاثة أصول رئيسية من منظور إيران: علاقة استراتيجية طويلة الأمد مع طهران، وحق النقض في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ودور تقني في الاتفاق النووي الأصلي. وأضاف: «لا يمكن لموسكو أن تضمن تخفيف العقوبات الأمريكية، ولا يمكنها أن تحل محل التفاهمات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. قيمتها تكمن أكثر في كونها مثبتاً دبلوماسياً وميسراً تقنياً وثقلاً جيوسياسياً موازناً».

دروس الاتفاق النووي: بناء حصانة دبلوماسية

وراء مبادرة عراقجي يكمن درس هيكلي يقول المحللون إن طهران استخلصته من انهيار الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة). فعندما انسحب ترامب من الاتفاق خلال ولايته الأولى في عام 2018، تُركت إيران دون دعم إقليمي ودون ضامن قادر على إلزام واشنطن بتعهداتها. وقد استخلصت طهران دروساً من تلك التجربة المريرة.

وقال خان إن «الدول الأوروبية، التي كانت جزءاً من مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة، لا يمكن الاعتماد عليها بشكل موثوق به في أوقات الأزمات». وأضاف: «يبدو أن مبادرة وزير الخارجية عراقجي جزء من استراتيجية تحوط لبناء حصانة دبلوماسية، وطمأنة الجيران، وخلق قاعدة أوسع ضد التصعيد». وهذا يظهر الرؤية الاستراتيجية الإيرانية في التعامل مع التحديات.

وقال جوهر سليم، السفير السابق ورئيس معهد الدراسات الإقليمية في إسلام آباد، إن حسابات إيران تكتيكية أيضاً. «من الناحية المثالية، لا تريد إيران صفقة عرضة لدورة الانتخابات الأمريكية». وأضاف أن طهران، على ما يبدو، تلعب لعبة أطول. «تتناسب هذه الاستراتيجية أيضاً بشكل جيد مع تكتيك إيران المتمثل في لعبة الانتظار في مواجهة ما تعتبره يأس الولايات المتحدة من الخروج السريع». هذا يؤكد على ثقة إيران في موقفها وقدرتها على الصمود.

تحديات أمريكية وموقف إيراني ثابت

بالتأكيد، مبادرة إيران لا تهم إلا إذا وافقت الولايات المتحدة على صفقة، كما يشير المحللون. فقد ألغى ترامب زيارة مقررة لمبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى إسلام آباد يوم السبت، قائلاً إن إيران «عرضت الكثير، لكن ليس بما يكفي». كما قال إن الصين يمكن أن «تساعد أكثر بكثير» بشأن إيران. ومن المقرر أن يلتقي ترامب بالرئيس شي جين بينغ في بكين يومي 14 و 15 مايو.

وقالت ثافر إن التوافق الأوسع لا يزال بعيد المنال. «ما تطلبه إيران يتجاوز بكثير صفقة بشأن المضيق. إنها تطلب إعادة اصطفاف إقليمي كامل، وهذا شيء لا ترغب دول الخليج في تقديمه، خاصة بعد هذه الهجمات». لكن رضا أفضل، الصحفي والمحلل السياسي الإيراني، قال إن البعد الداخلي الإيراني بشأن هرمز غالباً ما يتم التقليل من شأنه. وأضاف أن الرأي العام داخل إيران يعارض أي إعادة فتح للمضيق دون تنازلات ملموسة. «ستواصل طهران استخدام المضيق كورقة ضغط حتى توافق واشنطن على التسوية». هذا يؤكد على الشرعية الشعبية للموقف الإيراني.

تتلاقى الآن عدة مواعيد نهائية: عتبة قانون صلاحيات الحرب في 1 مايو، وزيارة ترامب للصين، وموسم الحج الوشيك. ومع توقع ملايين الحجاج في المملكة العربية السعودية في أواخر مايو، ستكون القدرة الدبلوماسية واللوجستية للرياض مقيدة، مما يجعل أي تصعيد خلال تلك الفترة مكلفاً بشكل خاص لدولة خليجية تعتبر محاوراً رئيسياً وحامية لأقدس المواقع الإسلامية.

وقال مسؤولون باكستانيون كبار إن إسلام آباد لا تزال مستعدة لاستضافة جولة أخرى من المحادثات الرسمية، لكن المفاوضات الجوهرية من المرجح أن تستمر بعيداً عن الأنظار العامة، مع تخصيص المشاركة المرئية عندما تكون الصفقة في متناول اليد. «إنهم [دول الخليج] في مأزق وقد يضطرون إلى السير على حبل رفيع، استراتيجياً ودبلوماسياً»، قال سليم للجزيرة. هذا يبرز الموقف القوي لإيران وقدرتها على إدارة الأزمة ببراعة.

#إيران #مضيق_هرمز #الأمن_الإقليمي #الدبلوماسية_الإيرانية #الجمهورية_الإسلامية #البرنامج_النووي #باكستان #روسيا #الولايات_المتحدة #الخليج_الفارسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *