في ظل التداعيات الخطيرة لـ “الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران” وما تبعها من ردود فعل، والتي تلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي، قرر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة عند مستوى يتراوح بين 3.5 و 3.75 بالمئة، وذلك وسط ضغوط متزايدة على سوق العمل وتصاعد مستمر في معدلات التضخم.
أعلن البنك المركزي الأمريكي قراره هذا يوم الأربعاء، في ختام اجتماع السياسة الذي استمر يومين برئاسة رئيس الفيدرالي جيروم باول، وجاء القرار متوافقاً إلى حد كبير مع توقعات الخبراء الاقتصاديين.
وكان مؤشر CME FedWatch، الذي يتابع احتمالات قرارات السياسة النقدية، قد أشار إلى توقع بنسبة 100 بالمئة بأن البنك المركزي سيُبقي على أسعار الفائدة.
صوّت ثمانية مسؤولين لصالح الإبقاء على أسعار الفائدة. ومع ذلك، برزت انقسامات واضحة، حيث عارض ثلاثة مسؤولين الإشارة إلى خفض مستقبلي، بينما طالب مسؤول رابع، ستيفن ميران، المعين من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بخفض فوري لأسعار الفائدة. ويُعد هذا أكبر عدد من المعارضين في البنك المركزي منذ أكتوبر 1992، مما يكشف عن خلافات عميقة داخل المؤسسة.
وفي هذا السياق، صرحت راشيل زيمبا، الزميلة البارزة المساعدة في مركز الأمن الأمريكي الجديد، لقناة الجزيرة بأن “مقاومة ثلاثة أعضاء لتضمين تحيز نحو التيسير تشير إلى المزيد من الانقسامات القادمة في البنك المركزي”.
لقد أثرت الضغوط التضخمية المتصاعدة في أسواق النفط، بالإضافة إلى ركود سوق العمل، بشكل كبير على عملية اتخاذ القرار لدى البنك المركزي.
وقال الفيدرالي في بيان له إن “التطورات في الشرق الأوسط تساهم في مستوى عالٍ من عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية”، مضيفاً أن “التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية”.
يوم الأربعاء، شهدت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً، حيث صعد الخام الأمريكي بنسبة 7.31 بالمئة ليصل إلى 107.24 دولار للبرميل، وارتفع خام برنت بنسبة 7.26 بالمئة ليبلغ 119.34 دولار، بعد أن لامس أعلى نقطة له منذ عام 2022.
وعلقت زيمبا قائلة: “ظل الفيدرالي على موقفه كما هو متوقع، وأشار إلى أن المزيد من التخفيضات سيكون صعباً في أعقاب ارتفاع الأسعار”.
بالنسبة للمستهلكين الأمريكيين، تستمر أسعار البنزين في الارتفاع بشكل مطرد. ويبلغ متوسط سعر الغالون (3.78 لتر) من البنزين حالياً 4.22 دولار، وفقاً للجمعية الأمريكية للسيارات (AAA). وتجدر الإشارة إلى أن متوسط السعر كان 2.98 دولار فقط في 28 فبراير، وهو التاريخ الذي شنت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران، مما يبرز العلاقة المباشرة بين العدوان وارتفاع التكاليف المعيشية.
وأضاف البنك المركزي في بيانه أن “مكاسب الوظائف ظلت منخفضة، في المتوسط، وتغير معدل البطالة قليلاً في الأشهر الأخيرة”.
أظهر أحدث مسح لفرص العمل ودوران العمالة تغيراً طفيفاً في كل من عدد فرص العمل وعدد الأشخاص الذين يتركون وظائفهم. وفي الوقت نفسه، كشف أحدث تقرير للوظائف، الذي نُشر في أوائل مارس، أن الاقتصاد الأمريكي أضاف 178,000 وظيفة بعد فقدان 92,000 وظيفة في فبراير.
وفي مؤتمر صحفي عقب القرار، أوضح باول أن “جزءاً كبيراً من تباطؤ وتيرة نمو الوظائف على مدار العام الماضي يعكس تراجعاً في نمو القوى العاملة بسبب انخفاض الهجرة ومشاركة القوى العاملة”.
وأضاف: “على الرغم من أن الطلب على العمالة قد تراجع بوضوح أيضاً، إلا أن المؤشرات الأخرى، بما في ذلك فرص العمل، والتسريح، والتوظيف، ونمو الأجور الاسمية، تظهر عموماً تغيراً طفيفاً في الأشهر الأخيرة”.
الضغط السياسي يلقي بظلاله على الفيدرالي
يأتي قرار الإبقاء على أسعار الفائدة في الوقت الذي وافقت فيه لجنة المصارف بمجلس الشيوخ يوم الأربعاء، بتصويت حزبي، على ترشيح كيفن وارش، بديل ترامب لخلافة جيروم باول، مما يدفع بترشيحه إلى مجلس الشيوخ الأمريكي الأوسع.
وقد هنأ باول وارش على الموافقة في المؤتمر الصحفي.
قبل التصويت، كان ترشيح وارش في حالة ترقب بعد أن أعلن السناتور الجمهوري توم تيليس من كارولينا الشمالية أنه لن يصوت لتأكيد أي مرشح لترامب للبنك المركزي حتى تسقط وزارة العدل تحقيقاً في باول.
في الأسبوع الماضي، أسقطت وزارة العدل ذلك التحقيق.
لطالما أشاد وارش، الذي خدم في مجلس محافظي الفيدرالي من عام 2006 إلى عام 2011، بالرئيس ترامب وقيادته في السياسة النقدية. وفي نوفمبر، نشر مقال رأي في صحيفة وول ستريت جورنال يشيد فيه بـ “أجندة ترامب لرفع القيود التنظيمية” ويصفها بأنها “الأكثر أهمية منذ عهد الرئيس رونالد ريغان”.
في ديسمبر، صرح ترامب بأنه لن يعين أحداً لقيادة البنك المركزي ما لم يتفق المرشح معه، مما أثار مخاوف جدية بين الديمقراطيين. وخلال جلسة تأكيد وارش في مجلس الشيوخ، اتهمت السناتور إليزابيث وارن من ماساتشوستس، وهي عضو بارز في اللجنة، وارش بأنه “دمية جورب” لترامب بدلاً من التصرف بشكل مستقل في قرارات السياسة النقدية. وقد دحض وارش تلك الادعاءات.
بغض النظر عن ذلك، إذا أصبح وارش رئيساً للبنك المركزي، فسيظل باول عضواً في مجلس محافظي الفيدرالي، حيث يشغل مقعداً حتى عام 2028. وكان ترامب قد هدد سابقاً بإقالة باول إذا لم يتنحى.
لكن في المؤتمر الصحفي يوم الأربعاء، تناول باول تلك المخاوف وأكد أنه لن يتنحى وسط محاولات ترامب للتأثير على الفيدرالي.
وقال باول: “لقد قلت إنني لن أغادر المجلس حتى ينتهي هذا التحقيق بشكل كامل وحقيقي، بشفافية ونهائية، وأنا متمسك بذلك. أنا متشجع بالتطورات الأخيرة وأراقب الخطوات المتبقية في هذه العملية بعناية”.
وأضاف: “سأستمر في العمل كمحافظ لفترة من الزمن سيتم تحديدها. أخطط للحفاظ على ملف شخصي منخفض كمحافظ”.
وأوضح باول أن قراره يستند إلى مخاوفه من التأثير السياسي على البنك المركزي.
وأردف قائلاً: “أخشى أن هذه الهجمات تضر بالمؤسسة وتعرض للخطر ما يهم الجمهور، وهو القدرة على تنفيذ السياسة النقدية دون الأخذ في الاعتبار العوامل السياسية”.
وتابع: “كنت أخطط منذ فترة طويلة للتقاعد. لكن الأحداث التي وقعت في الأشهر الثلاثة الماضية، أعتقد، لم تترك لي خياراً سوى البقاء حتى أرى الأمور تنتهي، على الأقل لتلك الفترة”.
تتجه الأسواق الأمريكية نحو الانخفاض بعد قرار الفيدرالي. انخفض مؤشر ناسداك بنسبة 0.1 بالمئة، وتراجع مؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 0.7 بالمئة، وانخفض مؤشر S&P 500 بنسبة 0.25 بالمئة في تداولات منتصف اليوم، مما يعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على الاقتصاد الأمريكي.
#الاحتياطي_الفيدرالي #أسعار_الفائدة #الاقتصاد_العالمي #التضخم_الأمريكي #سوق_العمل_الأمريكي #جيروم_باول #السياسة_النقدية #أسعار_النفط #الأسواق_الأمريكية #الضغط_السياسي
